السيد علي عاشور
143
موسوعة أهل البيت ( ع )
محظور عليه لاستحالة اجتماع التفويض والتحظير . ثم قال عليه السّلام : فمن زعم أنّ اللّه فوض قبول أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز ، وأوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير أو شر ، وأبطل أمر اللّه ونهيه . ثم قال : إن اللّه خلق الخلق بقدرته وملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الأمر والنهي ، وقبل منهم اتباع امره ونهيه ورضي بذلك لهم ، ونهاهم عن معصيته وذم من عصاه وعاقبه عليها ، ولله الخيرة في الأمر والنهي يختار ما يريده ويأمر به ، وينهى عما يكره ويثبت ويعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه لأنه العدل ومنه النصفة والحكومة ، بالغ الحجة بالإعذار والإنذار ، وإليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده ، اصطفى محمدا صلوات اللّه عليه وآله وبعثه بالرسالة إلى خلقه ولو فوض اختيار أموره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي إذ كانا عندهم أفضل من محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم لما قالوا : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ « 1 » يعنونهما بذلك فهذا هو : ( القول بين القولين ) ليس بجبر ولا تفويض ، بذلك أخبر أمير المؤمنين عليه السّلام حين سأله عتابة بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة . فقال أمير المؤمنين : تملكها من دون اللّه أو مع اللّه ؟ فسكت عتابة بن ربعي . فقال له : قل يا عتابة ! قال : وما أقول ؟ قال : إن قلت تملكها مع اللّه قتلتك ، وان قلت تملكها من دون اللّه قتلتك . قال : وما أقول يا أمير المؤمنين ؟ قال : تقول تملكها باللّه الذي يملكها من دونك ، فإن ملككها كان ذلك من عطائه ، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه ، وهو المالك لما ملكك ، والمالك لما عليه أقدرك ، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حيث يقولون : ( لا حول ولا قوة إلا باللّه ) . فقال الرجل : وما تأويلها يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا حول لنا عن معاصي اللّه إلا بعصمة اللّه ، ولا قوة لنا على طاعة اللّه إلا بعون اللّه . قال : فوثب الرجل وقبل يديه ورجليه . ثم قال عليه السّلام في قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ « 2 » وفي قوله : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ « 3 » وفي قوله : أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ « 4 » وقوله : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ « 5 » وقوله : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ
--> ( 1 ) سورة الزخرف ، الآية : 21 . ( 2 ) سورة محمد ، الآية : 31 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية : 181 . ( 4 ) سورة العنكبوت ، الآية : 2 . ( 5 ) سورة ص ، الآية : 34 .